ملا محمد مهدي النراقي
493
انيس المجتهدين في علم الأصول
لا تصلح للعلّيّة ، لا لعدم ظهور المناسبة ، بل لعدم النصّ من الشرع . ومنها : أن تكون وصفا ظاهرا منضبطا في نفسه ، ضابطا للحكمة ، أي جلب المصالح ودفع المفاسد . ولا يجوز أن تكون حكمة مجرّدة مطلقا . هذا ما ذهب إليه الأكثر « 1 » . وقيل : يجوز مطلقا « 2 » . وقيل : يجوز إذا كانت ظاهرة منضبطة ، ولا يجوز إذا كانت خفيّة أو مضطربة « 3 » . احتجّ الأكثر بأنّ الحكمة المجرّدة إمّا خفيّة ، كالرضى في التجارة . أو غير منضبطة ، كالمشقّة ؛ فإنّها ذات مراتب ؛ إذ تختلف بالأشخاص والأحوال ، وليس كلّ مرتبة منها مناطا ، ولا يمكن تعيين ما هو المناط ، والوقوف على المناط في الأمور الخفيّة وغير المنضبطة ممّا يتعذّر ، والتكليف به من غير التعيين يؤدّي إلى عسر وحرج ، مع أنّ المألوف من عادة الشرع ردّ الناس إلى المظانّ الجليّة ، ولذا نيط الرضى في التجارة بصيغ العقود ؛ لكونها ظاهرة ضابطة له ، والمشقّة بما يلازمها ويضبطها وهو السفر . وبأنّه لو جاز التعليل بالحكمة المجرّدة ، لوقع من الشارع ؛ لأنّ ربط الحكم بما هو المقصود الأصلي أحرى من ربطه بمظنّة ، واللازم منتف بالاستقراء . وبأنّه لو جاز ، لم يعتبر الشرع المظانّ إذا خلت عن الحكمة ، واعتبر الحكمة وإن لم يتحقّق معها مظنّتها ؛ إذ تحقّق المباينة لا يضرّه عدم المظنّة ، واللازم منتف ؛ لأنّه اعتبر السفر وإن خلا عن المشقّة ، كسفر الملك المرفّة ، ولم يعتبر المشقّة إذا لم تحصل من السفر ، كحضر أولي الصنائع الشاقّة من الحمّالين والملّاحين « 4 » . والجواب عن الأوّل : منع الحصر ؛ فإنّ بعض الحكم ظاهرة منضبطة . ولو سلّم فنقول ، تعيين المناط من الحكمة غير المنضبطة ممكن للشارع ، ولو لم يمكن ، لم يمكن في
--> ( 1 ) . حكاه الفخر الرازي في المحصول 5 : 287 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 224 و 225 ، والعلّامة في تهذيب الوصول : 267 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 260 - 262 . ( 2 ) . قاله الفخر الرازي في المحصول 5 : 287 . ( 3 ) . قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 224 . ( 4 ) . تقدّم آنفا .